الجاحظ
147
رسائل الجاحظ
يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئا ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك ، انهم قد صدقوا ، إذ كان مثلهم لا يتواطأ على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم . فليس بين هذا وبين احياء الموتى والمشي على الماء فرق ، إذ كان الناس لا يقدرون عليه ولا يطمعون فيه . والمجيء إنما هو معنى معقول وشيء موهوم إذا كان وكيف يكون ، ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن يقدروا عليه ولا يستطيعون فعله ، وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة ، فمتى وجدت أمرا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهو حجة ، ثم لا عليك جوهرا كان أو عرضا أو موجودا أو متوهما أو معقولا ، ألا ترى أن فلق البحر ليس من جنس اختراع الثمار ؟ لأن الفلق هو انفراج اجزاء والثمار أجرام حادثة ! وكذلك لو ادعى رجل أن اللّه عز وجل أرسله فجعل حجته علينا الإخبار بما أكلنا وادخرنا وأضمرنا لكان قد احتج علينا . [ 22 - اعتراض آخر : المنجم كالنبي يخبر بالغيب ] . فان قلت : إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير وبالأمر المستور وببعض ما يكون ؟ قلنا : هناك فرق ، فإن خطأ المنجمين كثير وصوابهم قليل ، بل هو أقل من القليل . أنتم لا تقدرون أن تقفوا من إخبار المرسلين عليهم السلام في كثير إخبارهم على خطأ واحد . والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم ، لأنهم لو قالوا فأخطئوا أبدا لما كان عجبا ، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون ، ومن أعجب العجب ان يوافق قولهم بعض ما يكون ، وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة ويخطئون في أكثرها . وقد نجد الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون في الأمور الكثيرة المعاني والمختلفة في الوجوه حتى لا يخطئ في شيء من ذلك . وليس في الأرض منجم ذكر شيئا أو وافق ضميرا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله وأكثر منه . فإن قلت : إن الناس يكذبون في الاخبار عن الاعراب والكهان من كل جيل !